ابن عجيبة
351
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أعداؤهم بأعقابهم ، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى رقّيناهم فوق رقابهم ، وخرّبنا أوطانهم ، وهدّمنا بنيانهم ، وأخمدنا نيرانهم ، وعطّلنا عليهم ديارهم ، ومحونا ، بقهر التدمير ، آثارهم ، فظّلت شموسهم كاسفة ، ومكيدة قهرنا لهم ، بأجمعهم ، خاسفة . ه . ثم برهن على ذلك ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 48 إلى 50 ] اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 48 ) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ( 49 ) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 ) يقول الحق جل جلاله : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ الأربع . وقرأ المكي : بالإفراد . فَتُثِيرُ أي : تزعج سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ أي : يجعله منبسطا ، متصلا بعضه ببعض في سمت السماء ، كقوله : وَفَرْعُها فِي السَّماءِ « 1 » ، أي : جهته . فيبسطها في الجو كَيْفَ يَشاءُ ؛ سائرا أو واقفا ، مطبقا وغير مطبق ، من ناحية الشمال ، أو الجنوب ، أو الدّبور ، أو الصّبا ، وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً أي : قطعا متفرقة . والحاصل : أنه تارة يبسطه متصلا مطبقا ، وتارة يجعله قطعا متفرقة ، على مشيئته وحكمته . فَتَرَى الْوَدْقَ ؛ المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ؛ وسطه . فَإِذا أَصابَ بِهِ ؛ بالودق مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، يريد إصابة بلادهم وأراضيهم ، إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ؛ يفرحون بالخصب ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ المطر مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ؛ آيسين ، وكرر « من قبله » ؛ للتوكيد ، وفائدته : الإعلام بسرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار ، أو : على أن عهدهم بالمطر قد تطاول ؛ فاستحكم يأسهم ، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك . فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ أي : المطر كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات وأنواع الثمار بَعْدَ مَوْتِها ؛ يبسها ، إِنَّ ذلِكَ أي : القادر عليه لَمُحْيِ الْمَوْتى ؛ فكما أحيا الأرض بعد يبسها ، يحيى الأجساد بعد رميمها ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وهذا من جملة مقدوراته تعالى .
--> ( 1 ) من الآية 24 من سورة إبراهيم .